وزارة التربية و التوجيه
الرئيسية / من تاريخ الثقافة / الشاعر عبدالرحمن الحفيان

الشاعر عبدالرحمن الحفيان

الشاعر عبد الرحمن الحفيان شاعر عصامي لم يتلق اي تعليم نظامي، ومع ذلك قرأ لماكسيم جوركي ومورس باسترناك.. وفي بداياته جارى قصيدة آسيا وافريقيا للشاعر تاج السر الحسن.. لقبه الشاعر محيي الدين فارس بـ «بياتي السودان الصغير» في بداياته، ونشر في بداياته أيضاً في مجلة الاديب البيروتية.. وصدر له ديوان الليل والصمت والذي كتب مقدمته الشاعر مصطفى سند طيب الله ثراه.. والقتيت به فكان هذا الحوار.
٭ في البدء عرفنا بنفسك؟
– عبد الرحمن الصديق الحفيان، من مواليد 5391م قرية الشيخ الحفيان، وهي تقع في الجنوب الشرقي لمدينة شندي، لم اتلق اي تعليم نظامي، وتعلمت مبادئ القراءة والكتابة بخلوة الشيخ الحفيان فتركتها وانا لم أفك الخط، ومع ذلك كنت أنقل ما تقع عليه عيني من خط جميل بخط اجمل منه دون ان استطيع قراءة ما كتبت، وقد كان الوالد عليه رحمة الله كلما شاهد جمال ذلك الخط يقول لي:
تعلم جمال الخط يا ذا التأدب
وباهي به النساخ في كل مكتب
فإن كنت ذا مال فحظك زينة
وان كنت محتاجاً فيا نعم مكسب
وبطريقة او باخرى وجدت نفسي استطيع ان اقرأ واكتب بصورة جيدة، واستطيع ان اقول انني علمت نفسي بنفسي كم يقولون.. ولم يكن لدى اهتمام بالعمل، لان الوالد عليه رحمة الله كان يملك قطعانا كثيرة من الماشية وارضا زراعية مطرية شاسعة كنت اتولى الاشراف عليها، وكانت تدر دخلاً لا بأس به بمقياس ذلك الزمن.. وقد كانت للوالد مكتبة دينية كبيرة جداً، وتوجد بها دواوين السادة المراغنة كالنور البراق ورياض المديح للسيد جعفر الميرغني والمولد العثماني، وكان الوالد عليه رحمة الله يحثنا على اجادة قراءة المولد وحفظ بعض المدايح، وكنت اذهب يومياً الى مدينة شندي على ظهر الحمار الخاص بالوالد، وهناك اذهب الى مكتبة «العدسي» لاشتري كل الجرائد امثال الميدان الناطقة باسم الحزب الشيوعي وجرائد الحزب الوطني الاتحادي العلم والنداء، وآخذ للوالد جريدتي صوت السودان والجماهير، وهي جرائد حزب الشعب الديمقراطي. وكنت اخفي الجرائد الاخرى ولا اقرأها الا في الليل على ضوء اللمبة ام خيط، وقد كنت مشتركا في كل المجلات الشهرية مثل الهلال والاديب والآداب، وكنت اقرأ كل ما استطيع الحصول عليه من كتب الأدب العالمية المترجمة للعربية، كنت اقرأ لسارتر والبيركامو، وكانت مجلة الآداب تحث الناس عن طريق الإعلان على قراءة كتب هؤلاء، وكنت أقرأ ايضاً لكتاب روس أمثال ماكسيم جوركي وموريس باسترناك ومن خلال مجلة الآداب تعرفت على الشعراء عبد الوهاب البياتي والسيَّاب وصلاح عبد الصبور وعبد الباسط الصوفي الذي كنت احفظ ديوانه «أبيات ريفية» عن ظهر قلب، واعجبت ايما إعجاب باشعار الشاعر المصري كمال عبد الحليم وشوقي بغدادي وآخرين كثر تتلمذت عليهم وتأثرت بهم.
٭ لك تجربة شعرية ثرة وقد نشرت مبكراً في «الأديب» البيروتية.. حدثنا عن تلك البدايات؟
– كانت أولى المحاولات قصيدة بعنوان آسيا وافريقيا جاريت فيها قصيدة الشاعر الكبير تاج السر الحسن اعجاباً بها، وارسلتها بالبريد الى الاديب المقاتل منير صالح عبد القادر بجريدة «الأخبار» التي يصدرها رحمي سليمان، فكتب بأن القصيدة جيدة لولا انها تكاد ان تكون صورة من قصيدة تاج السر الحسن، وقال اننا نرحب بالحفيان وبين قوسين حتى «ينتعل» ففرحت بذلك فرحاً غامراً، ووزعت نسخا من الجريدة على الاصدقاء لكيما يروا اسمي منشوراً في «الأخبار» واستمررت في الكتابة، فكتبت قصيدة اخرى بعنوان «الشارع والشمس» وعرضتها على أصدقائي أحمد محمد نور وهو الآن بجامعة شندي، وعبد الله عبيد وهو خلاف عبد الله عبيد «من طرف الشارع»، فاشادوا بها، فارسلتها للشاعر محيي الدين فارس، وكان قد تولى الاشراف على الصفحة الادبية بجريدة «الأخبار» آنفة الذكر، فكتب بالصفحة الادبية مقالاً بعنوان «الحصة أدب» وانا هنا اقول ما كتبه بالحرف حيث قال: «من بريدنا الادبي هذا الاسبوع دماء جديدة، فقد لفت انظارنا ميلاد شاعر في صوته صدى الخالقين وفي جناحيه قوة الشاعرين الممتازين، ذلكم هو الشاعر الشاب عبد الرحمن الصديق الحفيان بشندي، والقصيدة عمل فني متكامل، ولذلك آثرت أن أنشرها هنا كاملة، وقد وقد ارسلناها الى مجلة الاديب البيروتية لتنشر هناك، وعندما تم نشر القصيدة كتب مقالاً آخر وكان بعنوان «عبد الرحمن الصديق شاعر جديد يظهر في بيروت ويتخلص من ضوضاء القوالب وصخور القواميس».
وفي ذلك الوقت كانت القارة الافريقية كلها تمور بحركات التحرر الوطني، وتتطلع الى التخلص من الاستعمار، فشاركت بعدة قصائد تمجد ذلك النضال، مما دعا الشاعر الكبير محيي الدين فارس الى ان يطلق على شخصي الضعيف اسم «بياتي السودان الصغير».
وصار ما أكتبه مقبولاً عند المشرفين على الملفات الثقافية في الصحف الاخرى، فنشرت لي مجلة «الصباح الجديد» قصيدة عن لوممبا البطل الافريقي الشهير، ونشرت لي جريدة الزمان التي كان يشرف على صفحتها الادبية بشير الطيب، وعندما كنت اذهب مع الوالد للخرطوم، كنا نذهب لزيارة خاله الشيخ حامد الأمين العمرابي بحي البوستة بام درمان، وهناك تعرفت على عبد الله حامد الامين، وكان الجناح الذي افرد له بسبب الاعاقة يعج بالشعراء والكتاب والفنانين، فتعرفت على حسن عباس صبحي واسماعيل خورشيد وابو بكر خالد صاحب «العنب المر»، وكنت لا اتهيبهم رغم علو مكانتهم الادبية، وكنت امتلك جرأة ادبية كبيرة لا املك ربعها الآن، لدرجة انني في احدى المرات دخلت على عبد الله حامد الامين وكان معه أناس كثيرون من الذين لا اعرفهم، وانا بحالتي البلدية تلك جلابية الدبلان والهيئة المبهدلة اخرجت من جيب الجلابية ورقة مكرفسة كاتب فيها قصيدة بعنوان «أغنية على لسان مواطن إفريقي» وسلمتها لعبد الله حامد فقرأها ومررها بدوره على الآخرين، ولم يتكلم احد من الحضور بشيء، فطلب مني عبد الله أن اقرأ القصيدة فقرأتها وقلدت فيها طريقة محيي الدين فارس في الالقاء، وكنت سمعته عدة مرات من الاذاعة، فصفق لي بعض الحاضرين وسألني احد الحضور عن فقرة وردت في القصيدة مكونة من ثلاث جمل كانت بين قوسين، فقلت لهم ما بين القوسين لشاعر اسمه محمد عبد الحي، فقال عبد الله حامد هذا كلام جميل جداً، وكرر ذلك عدة مرات، وانا كنت معجباً جداً بعبد الحي، وكان ينشر في جريدة «الناس» ولا زلت اذكر قصيدة له منشورة في جريدة «الناس» اسمها «افريقيا تحت الشمس» كنت احفظها عن ظهر قلب، واظنها كانت ضمن اشعار كثيرة احرقها عبد الحي كما علمت اخيراً، كل هذا وانا لم التق بسند وفارس، وبسبب رحيل الوالدة تركت كتابة الشعر نهائياً، واتلفت الكثير منه، الا الذي بقى محفوراً في الذاكرة، وهذه الفترة استمرت لأكثر من عشرة اعوام، ثم عدت مرة أخرى.
٭ كيف كانت هذه العودة؟
– كانت أول قصيدة كتبتها بعد العودة للشعر عن الانتفاضة الفلسطينية الاولى، وكانت بعنوان «إلى جيل الحجارة» وارسلتها للاستاذ رحمي سليمان، وكان يرأس تحرير جريدة «التلغراف» التي عاودت الصدور بعد انتفاضة أبريل فنشرها في التلغراف، وبعد قيام الانقاذ نشرت في «السودان الحديث» و«الانقاذ الوطني»، وفي الاخيرة عن طريق مصطفى سند، ثم جريدة «الأنباء» عن طريق الأستاذ حسن البطري، وبتشجيع من الأصدقاء كتبت القصائد التي كانت محفوظة في الذاكرة، واضفت بعض القصائد الجديدة، فكونت مجموعة اطلقت عليها اسم «الليل والصمت» وارسلتها مع احد الابناء وهو محمد سعيد محمد الحفيان مؤلف كتاب «هل القيامة ثقب أسود» وهو ابن شقيقتي غنية، وقد طلبت منه أن يوصلها الى مصطفى سند ليكتب لها مقدمة.. وبعد جهد كبير قابل سند وشرح له الموضوع، ولكن سند رفض استلامها منه بحجة انه لا يعرفني، وقال له ان هذا الاسم نشرت له كثيراً ولكن لا اعرفه شخصياً، ولذلك لا يمكن اكتب له مقدمة، وأخيراً اقنعه بعد الحاح شديد ان يترك عنده الديوان ويقابله بعد اسبوع. وبعد اسبوع قابله على حسب الاتفاق، فقال لي محمد ان مصطفى سند قابله بطريقة تختلف كل الاختلاف، وقال إنه فاجأني بما كنت لا أعرفه انا شخصياً عنك، اذ قال له ان عبد الرحمن الحفيان هذا ما هو الا عبد الرحمن الصديق الذي اطلق عليه محيي الدين فارس اسم «بياتي السودان الصغير». وقال له انه عرف ذلك من بعض النصوص التي تحتويها المجموعة، وسوف اكتب له مقدمة ترضيه ان شاء الله.. بعد ذلك نشر سند في عموده الأسبوعي بجريدة الانقاذ الوطني «مراجعات أدبية» مقالاً بعنوان «عودة الحفيان» وكان ذلك المقال هو المقدمة لديوان «الليل والصمت». وبعد ذلك سجلت له زيارة في منزله ومعي محمد سعيد. وكانت تلك اول مرة نشاهد فيها بعضنا، فشكرته على كتابة المقدمة، وسلمني اياها مكتوبة بخط يده، وما زلت محتفظاً بها حتى الآن. واستمر التواصل بيننا فكتبت قصيدة عن ديوانه الأول «البحر القديم» وهي بعنوان «موال البحر القديم» وارسلتها للاستاذ عيسى الحلو فنشرها في الملف الثقافي بجريدة «الصحافة»، وكتب تنويهاً في الصفحة الاولى بأن بالصفحة التاسعة قصائد لشعراء شباب، وكانت قصيدتي ضمن تلك القصائد، فاحتججت بخطاب للاستاذ عيسى الحلو على وضعه اسمي مع الشعراء الشباب. وهم في عمر ابنائي، فكتب سند في عموده الأسبوعي بجريدة «الصحافة» ما نصه «ويقول الشاعر الغاضب المعتصم بشندي عبد الرحمن الحفيان إنه ليس صوتاً جديداً او صوتاً واعداً، ونحن نقول له لا تغضب فلك العتبى حتى ترضى، فانت شاعر ستيني ارتفعت بك حاستك الشعرية العالية الى مستوى القصيدة البحرية، وليتني وسمت بهذا الذي أغضبك».. ألا رحم الله الشاعر سند.
٭ حدثنا عن علاقة محيي الدين فارس بك أيضاً؟
– صلتي بأستاذي وشيخي محيي الدين فارس كانت عبر مقابلتي الاولى له بعد عملية بتر الساق الاولى بمنزله بام درمان. ورغم آلام المرض وعملية بتر الساق فكان اول حرف نطقه بعد ان عرفته باسمي هو «شعرك جميل جداً توقفت ليه؟» وتكررت زياراتي له بعد ذلك، وفي أحد الايام طلب مني ان اقرأ عليه قصيدة عمودية، فاخترت قصيدة عن نزار قباني، ولم اخطره باسم القصيدة حتى وصلت الى البيت الذي يقول:
او ليتني كل عام من حدائقه
ألملم الخوخ والليمون والعنبا
فقال ولكن ده عندنا هنا في؟ يقصد الخوخ والعنب، واستمررت في قراءة القصيدة حتى وصلت الى بيت لنزار كان مضمناً في القصيدة وهو:
فلا خيول بني حمدان راقصة
زهواً ولا المتنبي مالئ حليا
فقال لي طيب من قبيل ما تقول لي كده، انا القصيدة دي شامي فيها رائحة نزار، وفي زيارة اخرى طلب ان اقرأ له قصيدة عمودية ايضاً، واخذت اقرأ في قصيدة لي بعنوان «الى المتنبئ في عليائه» وكان يهز رأسه استحساناً عند بعض الابيات، فلما وصلت الى قولي:
يا واقفاً في ذرى التاريخ ملتفعاً
عباءة الريح..
فقال قبل أن اكمل عجز البيت «رافعاً عباءة النجم» احسن، وقد كان. وكان واصبح عجز البيت «عباءة النجم إن العرب قد هانوا» وكان عليه رحمة الله قد نشر مقالاً في جريدة «آخر خبر» تحت عنوان «وقفات مع نزار» اورد فيه نماذج من مراثي الشعراء لنزار قباني، ومن الشعر السوداني اختار مقاطع من قصيدتي في رثاء نزار قباني، وكانت بعنوان «ايها البعد الذي ليس يطال» واشاد بها واثنى عليها، وقال انها قصيدة رائعة، وانا فخور بذلك، عليه رحمة الله.
أما عن قصيدة النثر فهي تخالف في الشعر، إذ أن الشعر إيقاع وموسيقى، ولم أجد حتى الآن من يحفظ من قصائد النثر شيئاً، وإن كان الشعر كله لا يجد الاهتمام والتشجيع، والمسابقات الآن تتجه غالباً نحو الرواية والقصة القصيرة التي تقام لها المسابقات.
وقد فقدت الساحة الشعرية منذ الثمانينيات المجذوب، ومحمد عبد الحي، وكنت قد كتبت قصائد عن عبد الحي ربما لقيت تقديراً من أسرته، وقد اتصلت بي الاستاذة عائشة موسى، وأتابع شعر عبد القادر الكتيابي، ومحمد محيي الدين وحاج حمد عباس، والحديث عن زعامة الشعر لا ضرورة له الآن.
٭ كلمة أخيرة؟
– كنت أشعر باعتزاز عندما تنشر أعمالي في الملف الثقافي لـ «الشارع السياسي» و«الصحافة» الآن الى جانب كبار الكتاب.. مبارك الصادق، أحمد الفضل أحمد، محمد محيي الدين، محمد نجيب محمد علي وغيرهم، ولا أملك إلا أن أشكر «الصحافة».

عن وزارة الثقافة والإعلام والاتصالات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

ثلاثة × 2 =

إلى الأعلى